عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
440
اللباب في علوم الكتاب
مقابلة قوله : « وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ » . والمراد « بالطاغين » : الكفار ، وقال الجبائي : هم أصحاب الكبائر سواء كانوا كفارا أم لا ، واحتج الأولون بقوله : « أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا » ؛ ولأن هذا ذمّ مطلق فلا يحمل إلا على الكامل في الطغيان وهو الكافر ، واحتج الجبائي بقوله تعالى : إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى [ العلق : 6 - 7 ] فدل على أن الوصف بالطغيان قد يحصل لصاحب الكبيرة ، لأن كل من تجاوز حدّ تكاليف اللّه وتعداها فقد طغى « 1 » . قوله : « جهنّم » يجوز أن يكون بدلا من « لَشَرَّ مَآبٍ » « 2 » أو منصوبة بإضمار أعني فعل « 3 » ، وقياس قول الزمخشري في : « جَنَّاتِ عَدْنٍ » أي يكون عطف بيان « 4 » وأن يكون جهنم منصوبة بفعل يتقدمه « 5 » على الاشتغال أي يصلون جهنّم يصلونها « 6 » ، والمخصوص بالذم محذوف أي « هي » . قوله : « فَبِئْسَ الْمِهادُ » هو معنى قوله : لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ [ الأعراف : 41 ] شبّه اللّه تعالى ما تحتهم من النار بالمهاد الذي يفرشه النائم « 7 » . قوله : « هذا فَلْيَذُوقُوهُ » في هذا أوجه : أحدها : أن يكون مبتدأ وخبره : « حَمِيمٌ « 8 » وَغَسَّاقٌ » . وقد تقدم أن اسم الإشارة يكتفي بواحدة في المثنى كقوله : عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ « 9 » [ البقرة : 68 ] أو يكون المعنى : هذا جامع بين الوصفين ويكون قوله : « فليذوقوه » جملة اعتراضية « 10 » . الثاني : أن يكون « هذا » منصوبا بمقدر على الاشتغال أي ليذوقوا هذا « 11 » ، وشبهه الزمخشري بقوله تعالى : وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ « 12 » [ البقرة : 40 ] يعني على الاشتغال والكلام على مثل هذه الفاء قد تقدم « 13 » . و « حميم » على هذا خبر مبتدأ مضمر « 14 » ، أو مبتدأ وخبره مضمر أي منه حميم ومنه غسّاق « 15 » كقوله :
--> ( 1 ) وانظر : تفسير الفخر الرازي 26 / 220 ، 221 . ( 2 ) التبيان 1104 . ( 3 ) الدر المصون 4 / 617 . ( 4 ) الكشاف 3 / 378 . ( 5 ) في ب : صفة . ( 6 ) التبيان 1104 والدر المصون 4 / 617 . ( 7 ) قاله الزمخشري في الكشاف 3 / 379 . ( 8 ) في أجهنم خطأ . ( 9 ) قاله العكبري 1104 والسمين 4 / 617 وصاحب البيان 2 / 317 . ( 10 ) المراجع السابقة وقال بهذا الوجه مكي في المشكل أيضا 2 / 252 . ( 11 ) البيان 2 / 317 ومعاني الفراء 2 / 410 وهو قول الزمخشري في الكشاف كما سيأتي الآن . ( 12 ) وانظر : الكشاف 3 / 379 وكان الأصل : وإياي ارهبوا فارهبون . ( 13 ) من كونها إما زائدة ، وإما جواب أمر مقدر أي تنبهوا . والزائدة دخولها في الكلام كخروجها وأناس كثيرون حكموا على مثل هذه الفاء بالزيادة . انظر : المغني 166 والمشكل 2 / 252 ومعاني الزجاج 4 / 338 . ( 14 ) البيان 2 / 317 . ( 15 ) أحد قولي الفراء في المعاني 2 / 410 وانظر في هذا كله الدر المصون 4 / 618 .